الخميس، 4 ديسمبر 2014

حتّى تَنْجَحَ الثّورة.. !


بعد قيام الثورة في تونس و كذا في مصر، استفاق الشعب على واقع مؤلم، مُفتقر للقيمة والمعنى و الهدف. واقع مُثقل بالفساد المالي و الإقتصادي و الأخلاقي و التعليمي.. هذا الفساد خلّفته أنظمة شمولية أهدرت خيرات البلاد فلم يسلم منها لا الحرث و لا النّسل! هذا الواقع أنهك الكثير و انتقص من عزائمهم فخارت حتّى أنّ الكثير أضحى يتمنّى لو أنّه بقي في غفوةٍ تحت سوط الجلّاد دون النّهوض لمواجهة أحواله و إصلاحها !
فالحال اليوم أنّ الجميع يُطالب و يُسرف في السؤال، يحسب أنّ المسؤول يملك عصًا سحرية ستُحوّل البلاد إلى جنّة في لمح البصر، يظنّ أنّ الحلول مُخبّأة في جيوب الوزراء و المديرين! فها هو الشباب العاطل عن العمل يرصّ المقاهي رصًّا يستشرف المستقبل بالقعود و الخمول، ثمِلًا، متقاعسا عن متطلبات الحياة الملحّة الواجبة. و ها نحن نرى الكلّ منهمكا في المطالبة المُلِحّةِ لتحسين راتبه أو ظروفه المهنيّة غير عابئ بواقع و ظروف البلاد المنهكةِ أصلاً. الكلّ في حالة سؤال و إثارة للمُشكل، في حالة يأس و تيه، يدقّ ناقوس خطر يصمّ آذانهم و يُعيقهم عن التبصّر و البحث عن حَلٍّ يبدو كإبرة في كومة المشاكل و المعوقات. و هذا لعمري عين السلبية و القعود عن المثابرة و تحمّلِ المسؤولية و الصّبر و رفع المصاعب و الصعود في مدارج الإنسانية. لماذا لا ينظر كلّ فرد لنفسه أنّها جزء من الحلّ و أنّ دوره في رقيّ هذا البلد و صلاحه دورٌ لن يقوم به أيّ فرد غيره، كلٌّ أرسله الله لغاية و رسالة سيكون هو مُبلّغُها هو بعينه و لا أحد سِواهُ. لماذا لا يكون كلّ منّا إيجابيّا فاعلا مؤمِنا أنّه لا تقدّم و نحن ننهش هذا البلد بأنانيّتنا دون رأفة! إنّي أرى أنّه لا مخرج من هذه المِحنة التّي نعيشها اليوم، و التّي تحمل في طيّاتها العديد من المِنح لو تبصّرنا، إلّا بالإيجابيّة، تلك السّنة النبويّة المهجورة، تلك الصفة التّي نصّ عليها القرآن الكريم.
و الإيجابية في معاجم اللّغة دلالتها الإلزام في معنى الإيجاب و الإيجاب هو الأمر الذي ينتج عن القبول و الوجوب. و يتّسع مفهوم الإيجابية ليدلّ على إلزام المرء لنفسه بالقيام
بما ليس عليه بواجب إبتداءً، إنّما يقوم به من باب الطّموح المتّقد في نفسه و الهمّة الصّاعدة التّي يتّسمُ بها. فالإيجابية هي إذن خُلق إنسانيّ بإمتياز يخرج بالإنسان من ظلمات الكسل إلى نورِ العمل، يرفعُ الإنسان من حُفرِة التّآكل و الموت إلى قِمَمِ الحياة الشّماء أين نسيم الحريّة و الإرادة و الإبداع و الكينونة و إثبات الذّات. الإيجابية هي استحثاث الخُطى نحو الفضائل و الخيرات كما يُحدّثنا القرآن الكريم في قوله تعالى " إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ " [الأنبياء:90 ] و قوله "وَ سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدِّتْ لِلْمُتَّقِينَ" [آل عمران : 133 ]و قوله : " سَابِقُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ" [ الحديد 22] و قوله : " وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ " [ المطففين :26]. فالإيجابيّة إذن قيمة إسلامية سمحة . فها هو رسولنا المصطفى -صلّى الله عليه و سلّم- يرسّخ هذا الخُلُقَ فينا فيدعونا للتعمير و العمل و العطاء و لو كانت السّاعة قائمة فيقول- صلى الله عليه وسلم: " إن قامت الساعة و في يد أحدكم فسيلة ، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها ". كما ألزمنا بدفع المُنكرِ "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ" و تغيير ما فسد من حولنا. فواجب الإنسان المسلم إزالة الأشواك و زرع الخير في الدّروب لهذا أخلفه الله في الأرض " وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا " (سورة البقرة آية 30-31). المعنى جليّ هُنا أنّ الله كلّفنا بالتعمير و تغيير وجه الأرض بفعلنا الصّالح، كما أورثنا العِلم و سخّر لنا الدّواب و النّبات لتحقيق بإنسانيّتنا على أحسن وجه، أفنقعد عن العمل و الإصلاح و نتجرّع سُمَّ السلبيّة القاتل على أرائك التّكاسل و التّراخي؟!
إنّ المشقّة التّي تعترض سبيلنا إنّما هي سنّة الله التّي ليس لها تبديل أليس هو القائل "لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ" سورة البلد: 4 و هو عزّ في عُلاه من فرض علينا أن ندفع المصاعب و نواجهها بقوله – في نفس السورة- " فَلاَ اقْتَحَمَ العَقَبَةَ" (آية 11). إذن مُجابهة الضرر و دفعه بالحُسنى فرض إلهيّ علينا. و العازم على إصلاح نفسه و إصلاح ما حوله عليه بالسير في طريق الإيجابيّة مُجاهدا نفسه. عليه بالإستعاذة بالله من الجُبن والكسل عشيّا و إبكارًا بقلب مُخلص "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ" ، كما يقول نبيّنا المختار صلّى الله عليه و سلّم. و الإقبال على العمل بثقةٍ لا بروحٍ مُنهزمةٍ و النّبش عن فُرص التغيير و اقتحام أوكار الباطِل و مُجاوزة أسوار الدُّجى بشحذ العزائم و إستنفار الجهود. و على هذا السّمتِ وجب علينا تربية النّشء، لزم علينا أن نُلقّنه الثقة في قدراته دون إحباطه فنشجّعه على المبادرة دون تخويفِهِ فيرى أنّه قادرٌ على إيجاد وضعيّات بديلة تولد من رحم الإبداع و الإصرار و رؤية لا حادّة ترمي به إلى انقطاع السّبل إنّما منفرجةٍ تدفعه إلى المضيّ قدُمًا بخُطًى شُجاعة مريدة للحياة و الفلاح مبلغ أمانيها.
نعم هذا ما نحتاجُه اليوم في بلادنا حتّى تُشرق شمس الأمل في النّفوس فإذا ما تغيّر ما بأنفسنا تبدّل حالنا و بزغ الرقيّ في شتّى المجالات و الميادين الحياتيّة. إنّ تجربة الشعب اليابانيّ الّذي يحتلّ الآن مراتب سامية في التطوّر العلمي و تحقيق الإستقلالية الإقتصادية و الكفاية التكنولوجية لأكبر شاهد على ما تفعله الإيجابيّة بقومٍ. قومٌ قضت القنبلة النّووية على سائر بلادهم، لكنهم لم يقنطوا إنّما أصرّوا و آمنوا أنّهم قادرون على دفع ما أصابهم من كربٍ حالك. إيمانهم هذا و إيجابيّتهم هي الخُطى التّي صعدت بهم في مدارج الرُقِيّ. أفلا نتّخذ هذا الشعب أسوةً و نحن- قومٌ مسلمون- مُلزمون أصلا بالإيجابيّة فهي مطلب قرآني و سنّة نبويّة؟! يجب أن نعي أنّ البلاد لن تهلك إذا صلح قومها "وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ" (سورة هود: 117).
و إنّني لا أجد دواءً أنجع للضُرّ الّذي مسّنا اليوم أكثر من الإيجابيّة و إيمان كلّ فرد منّا بفاعليّته حتّى نستثمر هذه المنحة الإلهيّة "الثورة" إستثمارا طيّبا و لا نرجع على أعقابنا نادمين..!

20/4/2013

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مُروركم يُسعدني.. :)

دليلُ محبّتكم الفعّالة لطفلكم في عامه الأوّل

لأنّكم رفاق العُمر قبل بدايته، لأنّكم الأرض الأولى التي يزرع فيها الطفل خطواته، لأنّكم من ترمون حجر الأساس في بناءِ الرحلةِ الذي ترجون ك...