ها هي تحثّ خطواتها بحماسة التألّق و الطموح لتبدأ دربا جامعيّا جديدا. منذ بداية ادراكها للأمور عزمت بأن ترقى في سلّم الدراسة و أن لا تكتفي بتحصيل شهادة نهاية المرحلة الجامعيّة، لأنّها ببساطة تؤمن بأنّ طريق العلم بلا نهاية و أنّها وجب أن تُواصِلَ في التعلّم بقوّة تجتهد في اشعالها كلّما خمدت.
مذ زمن بعيد استقرّ لحن شجيّ في أعماقها فأرسلت عيناها نظرة مُغدقة بحزن طفوليّ لا يفقهه إلّا من فتح قلبه لها. فهدوؤها و صمتها الدؤوب لم يجعلا منها شخصيّة تجلب انتباه من حولها. سلمى الفتاة التي لا يخبو حسّها فشعورها مُرهَف بكلّ التفاصيل التي تفترش طريقها نحو الأحلام. تُرَى هل هو حسّها من جعل أشجانها تتفرّع يوما بعد يوم كأغصان الياسمينة النديّة ؟! ربّما ! ذاك ما اعتقدته أحيانًا كثيرة.
مرّت السنون و شغفها بأحلامها في التميّز يغذّي عزمها كلّما جفّ و تغيّر حالُهُ لعُود يابِسٍ بلا حياة. كان حلمها التميّز في مجالها العلميّ. آمنت أنّ تميّزها هو البابُ لتحصيل مكانة مجتمعيّة مرموقة تستطيع من خلالها أن تُصَرِّفَ ما آمنت به من قِيمٍ . فحينئِذٍ تصبح مؤثّرة ولها إشعاع في محيطها. كانت الدراسة شُغلها الشاغل و الفانوس المنير الوحيد لطريقها الطويل، حتّى ذلك الحين ! الحينُ الذي إنفجر فيه البُركان فتشقّق صرحُ الظلام؛ ظلامٌ ظلّ جاثما على النفوس قرونا حتّى أصبحت تهاب الإقدام خشية شروره المستطيرة. حلّ ذاك الحين الذي انخلعَ فيه الخوف من الأفئدة، ذاتَ صَحْوَةٍ! فانفجر الشارع، صدح بطرد الحَاكِمِ الظالم الفاسِد. غزت مفاهيم جديدَةٌ وعي سلمَى و أترابَها من الشبابِ. هتفوا في الميادينِ هُتَافًا قفزَ حُدُودَ البلادَ و حلّقَ نحوَ بُلدانٍ بعيدة: شغل- حريّة- كرامة وطنيّة ! انبلج فجر المعاني و تفتّحت الأحلام.. أصبحت سلمى تطلّ على أحلامها من شرفة واسعة، بعد أن كانت تلحظها من كوّة صغيرة في الجدار. كبرت سلمى إذ اتّسعت همومها و أصبحت تنظر أحلاما أعظم من الدراسة التي ظلّت أملًا مُشعّا لا يخفُتُ.
ليتك لم تكبُرِي! ليتك لم تعرفِي الثورة حتى لا تتذوقي مرارة الخذلان ! ليتك لم تعرفِي الحُبّ حتّى لا تتجرّعين علقم الفراق ! سلمى!
ظلّت تسكُبُ في أسماع المارّين على أطراف الحكاية: الألمُ طريقُنا نحوَ طعم الحياة السريّ الجميل. تُحدّث سلمى بأنّ المعاني التي تنهلها من الألم عذبةٌ فهي تُوسّع الروح و تفتح الفهم و تلد الصبر..
"سلمى أظنُّكِ نسخة فريدة في هذا العالم المزدحم بالأشباه". قال لها ذات مرّة. كانا حينئذ يرسمان الخطوات الأولى في طريقهما، كانا بعيدين تُقرّبهما النقاشات الطويلة التي يتقطّعها صمت طويلٌ لأنّ نهجهُما لم يكن التنميقُ و لا تصنّع العشق قبل اشتعاله. كانت سُنّة حكايتهما الصبرُ حتّى اختار الصبر أن يكون عُنوانَ الحكاية. في البداية لم تُعِرها سلمى انتباهها الواسع، كانت حكاية تصطفّ حكايةً ضمن مشاريع أحلامها و ضئيلا كان حجمها أمام تعاظُمِ تركيزها على تألّقها الأكاديميّ. لكنّها سرعانما احتلّت حيّزا مُعتبَرًا من تفكيرها فانتباهها له سرعانما نَمَا. المسافة بين الأرواح لا تحكمها قوانين الفيزياء و تمازُجُها أبدا لا يخضع لمبادئ الكيمياء؛ ربّما هي كيمياء من نوع خاصّ هذه التّي تقنّن تمازج الأرواح فإذا بها منسجمة متناغمة.
استمرّت الحكاية ربّما ليس طويلا، لكنّها كانت عريضة. ربّما لأنّها انطلقت قُبيلَ الثورة التي وسّعت النفوس. "الثورة و الحُبّ يُولد فيهما المرء من جديد"؛ فكرة امتلأت بها سلمى حتّى فاض مِدادُها يدوِّنُ قِصَصَ الحُبّ و الثورة. تغمس قلمها في نهر المحبّة الذي تدفّق و لم يرضَ التوقّف !
عندما يتقدّم المرء في دروب الحياة يفهم أنّ الكَبَدَ رفيقٌ و أنّ الوجع جارٌ و أنّ الدمعَ أنيسٌ. هذا ما فهِمَتْهُ سلمى و هي تتقدّمُ بلا تردّد في درب أفصح عن وُعُورته. الصِدقُ منعها من الرجوع و التخلّي.
ذاتَ مشوار و هو يسلُكُ طَريقًا وَعرَةً، قالت: " لستَ وحدكَ! أنا الصاحب الذي لن يخذلك مهما كبرت و كثُرَت صخور الطريق و طال. أنا كتفك أينَ تُرسِلُ رأسك كُلَّمَا أنهكَكَ السفر. أنا اليَدُ التي تمسح عَرق جبينك. أنا المُستراح عند طول الرحلة و أنا مستودع أسرارك الصغيرة و الكبيرة.. ".
أرسل ألحانه أمنيات نديّة فأخَذَت تحصيها على خصلاتها البُنيّة الداكنة مُصغِيَةً سمعها إلى ما وراء اللّحن؛ لُغةً من غيبٍ تحلّق بها في الآفاق اليعيدة أين المحبّة طهارة و نقاء..
هل كانت سترضى اِستقبال هذا الجمال في مهده لو عرفت حتف مشاعرها الرقراقة ..
" ألم تعطني أنت هذا الظلام و أعطيتني أنت هذا السَحَر! " مناجاة السيّاب تنساب في فؤاد سلمى مُتعرّفًا إلى سكينة الرضى رغم أمواج حزنه العالية. "أنا مبتهجة لكلّ ذاك الصدق و الجمال الذي عِشتُ. أنا مسرورة لذاك النقاء و الإصرار و الصبر. كلّ حجر في الطريق وُضع لنبني به دارنا الأبديّة العتيدة فمهما تورّمت أيدينا و سالت دماؤها و تألّمنا في جمعه فنحن لن نقعُد و لن نندم، نحن ماضون على الدرب ما دام الصدق عنوانه!" تقول لي سلمى ذات فضفضة.
..
(يَتَّبِع)
(يَتَّبِع)
الحامة
06-08-2016
الساعة 15
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مُروركم يُسعدني.. :)